حسين بن منصور الحلاج
42
ديوان الحلاج
[ 9 ] وعن عليّ بن مردويه قال : سمعت الحسين بن منصور قد سلّم من الصلاة فقال : اللهم ، أنت الواحد الذي لا يتمّ به عدد ناقص ، والأحد الذي لا تدركه فطنة غائص ، وأنت فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ « 1 » أسألك بنور وجهك الذي أضاءت به قلوب العارفين ، وأظلمت منه أرواح المتمرّدين ، وأسألك بقدسك الذي تخصّصت به عن غيرك ، وتفرّدت به عمّن سواك ، أن لا تسرحني في ميادين الحيرة ، وتنجيني من غمرات التفكر ، وتوحشني عن العالم ، وتؤنسني بمناجاتك ، يا أرحم الراحمين . ثم سكت ساعة وترنّم ، ورفع صوته في ذلك الترنّم وقال : يا من استهلك المحبّون فيه ، واغترّ الظالمون بأياديه . لا يبلغ كنه ذاتك أوهام العباد ، ولا يصل إلى غاية معرفتك أهل البلاد . فلا فرق بيني وبينك إلّا الإلهية والربوبيّة . وكانت عيناه في خلال الكلام تقطر دما . فلمّا التفت إليّ ضحك فقال : يا أبا الحسن خذ من كلامي ما يبلغ إليه علمك ، وما أنكره علمك فاضرب بوجهي ولا تتعلّق به ، فتضلّ عن الطريق . [ 10 ] وعن أبي الحسن عليّ بن أحمد بن مردويه قال : رأيت الحلّاج في سوق القطيعة ببغداد باكيا يصيح : أيّها الناس أغيثوني عن اللّه ، ثلاث مرّات ، فإنّه اختطفني منّي وليس يردّني عليّ ، ولا أطيق مراعاة تلك الحضرة ، وأخاف الهجران فأكون غائبا محروما . والويل لمن يغيب بعد الحضور ويهجر بعد الوصل . فبكى الناس لبكائه حتى بلغ مسجد عتّاب فوقف على بابه وأخذ في كلام فهم الناس بعضه وأشكل عليهم بعضه . فكان ممّا فهمه الناس أنه قال : أيّها الناس . إنّه يحدّث الخلق تلطّفا فيتجلّى لهم ، ثم يستتر عنهم تربية لهم . فلو لا تجلّيه لكفروا جملة . ولولا ستره لفتنوا جميعا ، فلا يديم عليهم إحدى الحالتين . لكنّي ليس يستتر لحظة فأستريح حتى استهلكت ناسوتيّتي في لاهوتيّته وتلاشى جسمي في أنوار ذاته ، فلا عين لي ولا أثر ولا وجه ولا خبر .
--> ( 1 ) الزخرف : 84 .